أسعار العقارات في النمسا تسجل أعلى مستوياتها التاريخية خلال 2026

النمسا ميـديـا – فيينا:

سجلت أسعار العقارات السكنية في النمسا ارتفاعات قياسية غير مسبوقة، حيث كشفت البيانات الحديثة الصادرة عن هيئة الإحصاء النمساوية (Statistik Austria) والبنك المركزي النمساوي (OeNB) في مؤتمر صحفي عُقد في العاصمة فيينا، أن مؤشر أسعار المنازل حقق أعلى مستوى له على الإطلاق خلال النصف الأول من عام 2026 بارتفاع قدره 3.9% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025. وتأتي هذه الأرقام لتتوج مساراً تصاعدياً استمر على مدار السنوات العشر الماضية ارتفعت خلاله أسعار العقارات السكنية بنسب تراوحت بين 50% و70%، وسط تحولات هيكلية واسعة في حركة البناء وشروط التمويل وتغير مستويات الفائدة.

تقرير تاريخي للبنك المركزي النمساوي يرصد تحولات السوق بين 2000 و2025

عقد البنك المركزي النمساوي (OeNB) مؤتمراً صحفياً في العاصمة فيينا تحت عنوان “نظرة على سوق العقارات النمساوي: التغيير الهيكلي واستقرار السوق المالي”، قدم خلاله مسحاً شاملاً لتطورات العرض والتمويل ومستويات الفائدة والمخاطر في قطاعي العقارات السكنية والتجارية للفترة من عام 2000 حتى 2025، معلناً عزمه إصدار تقرير سنوي دوري حول مستجدات السوق العقاري مستقبلاً.

وأوضح التقرير أن الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2009 شهدت تطوراً متوازناً نمت فيه أسعار العقارات السكنية ومستويات الدخل بمعدلات متقاربة، وكان خطر التمويل الأكبر حينها يكمن في قروض العملات الأجنبية التي كانت شائعة جداً قبل الأزمة المالية العالمية وتستحوذ على زهاء ثلث إجمالي القروض المصرفية، قبل أن ينحسر دورها كلياً في الوقت الحاضر.

الطفرة العقارية لاتساع الفجوة بين الأسعار والدخل

أدى انتهاء الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وبداية حقبة الفائدة المنخفضة اعتبارات من منتصف عام 2010 إلى إطلاق طفرة عقارية نمت خلالها حركة البناء بشكل حاد وصعدت الأسعار بقوة. وأظهرت الحسابات الواردة في التقرير – بالتعاون بين البنك المركزي وشركة DataScience Service GmbH وجامعة فيينا للتكنولوجيا (TU Wien) والبروفيسور Fellmayr – اتساع الفجوة بين أسعار العقارات ومستويات الدخل، إذ قفزت الأسعار خلال فترة الطفرة بنسبة 120%، بينما لم يرتفع متوسط الدخل سوى بنسبة 38%، وهو ما قاد تلقائياً إلى زيادة نسبة مديونية الأسر الخاصة.

تحول أسعار الفائدة وضوابط القروض تنهي حقبة الانتعاش

وضع التغيير في سياسة أسعار الفائدة والارتفاع المتجدد لها اعتباراً من منتصف عام 2022 حداً لهذه الطفرة، مما تسبب في تراجع الطلب على القروض وانخفاض الأسعار وبدء تقلص الفجوة بين الأسعار والدخل مجدداً. كما شهد عام 2022 دخول ضوابط وتنظيمات أكثر صرامة لمنح القروض العقارية للأفراد ضمن لائحة (KIM-V)، والتي على الرغم من انتهاء سريانها التنظيمي الرسمي العام الماضي، إلا أنها لا تزال تطبق كتوصيات مرجعية للبنوك.

وأكد التقرير أن تحسين معايير منح القروض ورفع نسبة رأس المال الذاتي لدى المشتري ساهم في تقليل المخاطر النظامية التي تواجه البنوك النمساوية جراء تمويل العقارات السكنية بشكل كبير، مشيراً إلى أن عام 2025 شهد بداية تعافٍ في حركة منح القروض الجديدة مقارنة بعام 2024. كما تراجعت مخاطر أسعار الفائدة للأفراد بفضل التحول من القروض ذات الفائدة المتغيرة (التي كانت تصل نسبة التداول بها سابقاً إلى 80%) نحو القروض ذات الفائدة الثابتة الأكثر استقراراً وقابلية للتخطيط.

تراجع نشاط التشييد ومخاطر عالية في قطاع العقارات التجارية

وخلال المؤتمر الصحفي في فيينا، شدد كل من Thomas Steiner، مدير قطاع استقرار الأسواق المالية والإشراف المصرفي بالبنك المركزي، وMarkus Schwaiger، رئيس الإدارة العامة لاستقرار الأسواق المالية والتدقيق المصرفي، على أن تكلفة البناء القابلة للتمويل (في ظل ارتفاع أسعار الأراضي وتكاليف التشييد) ستظل تحدياً قائماً لفترة طويلة، محذرين من الانخفاض المستمر في نشاط البناء مقارنة بالسنوات الماضية.

وعلى الجانب الآخر، أظهر التقرير صورة قاتمة لقطاع العقارات التجارية الذي شهد بدوره طفرة بين عامي 2010 و2022 رافقها ارتفاع كبير في حركة البناء وحجم القروض. ومع تحول أسعار الفائدة، ارتفعت تكاليف التمويل وبدأت الأسعار في الهبوط، مما أدى إلى تصاعد حالات التعثر في سداد القروض التجارية لتصل نسبتها حالياً إلى نحو 14%.

أسعار قياسية وتفاوتات إقليمية حادة بين الولايات النمساوية

تظهر أحدث بيانات هيئة الإحصاء النمساوية ارتفاع أسعار المنازل والشقق في النصف الأول من عام 2026 بنسبة 3.9% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، ليصل مؤشر أسعار المنازل (المحسوب منذ عام 2010) إلى أعلى مستوى قياسي له على الإطلاق. وارتفعت أسعار العقارات الحديثة البناء بنسبة 3.8%، بينما زادت أسعار العقارات القائمة بنسبة 4.0%. كما ارتفعت التكاليف الشاملة للسكن المملوك (مؤشر OOH الذي يشمل تكاليف الشراء والمصاريف الجانبية والصيانة والإصلاحات) بنسبة 2.9%.

وعلى مستوى المتوسطات المسجلة للعام الماضي، بلغ متوسط سعر المتر المربع للشقق المملوكة في النمسا 4,162 يورو، وللمنازل 2,836 يورو، بينما ارتفع متوسط سعر أراضي البناء إلى 135 يورو للمتر المربع.

وتبرز الفروق الإقليمية الشاسعة بين الولايات النمساوية؛ حيث تصدرت فيينا أغلى الأسعار للمنازل بمتوسط 5,376 يورو للمتر المربع، تليها فورارلبرغ وتيرول، بينما سجلت بورغنلاند الأدنى بمتوسط 1,889 يورو. وفي الشقق المملوكة، جاءت فيينا أيضاً في المرتبة الأولى بـ 5,212 يورو للمتر المربع، مقابل 1,859 يورو في بورغنلاند. أما أراضي البناء، فشهدت تبايناً هائلاً بين 2,740 يورو للمتر المربع بالقرب من Kitzbühel في تيرول، و21 يورو فقط في منطقة Jennersdorf في بورغنلاند الجنوبية.

وبالمجمل، شهدت العقارات قفزات سعرية حادة خلال عقد من الزمان؛ حيث ارتفع متوسط سعر متر المنزل من 1,667 يورو في عام 2015 إلى 2,836 يورو (زيادة بنسبة 70.1%)، بينما ارتفع متر الشقق المملوكة من 2,769 يورو إلى 4,162 يورو (زيادة بنسبة 50.3%).

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى